الغلاف الجوي وطبقاته

الغلاف الجوي وطبقاته

سنتعرف في سلسلة من المقالات العميقة والشائقة على تركيبة الغلاف الجوي، وطبقاته المختلفة. أصبحت هذه المعرفة حيوية جداً في عصرنا الراهن مع وجود ظواهر خطيرة قد تؤثر في مستقبل الإنسانية كظاهرة الاحتباس الحراري والتي يلعب فيها الغلاف الجوي الدور الرئيس، مما يجعل من فهم هذا الغلاف الحامي لكوكبنا أمراً جوهرياً لمعالجة المسائل البيئية والاستفادة أيضاً من الموارد.


رغم أن الهواء مختلط بتوازن في كل جنبات الغلاف الجوي، إلا أنّ الغلاف الجوي نفسه ليس متجانسًا فيزيائيًا بل ينطوي على تباين بالغ في درجة الحرارة والضغط بالنسبة للارتفاع، مما يحدد عددًا من طبقات الغلاف الجوي. وهذه الطبقات تشمل طبقة التروبوسفير (troposphere): من 0 إلى 12 كم، وطبقة الستراتوسفير (stratosphere): من 16 إلى 50 كم، وطبقة الميزوسفير (mesosphere): من 50 إلى 80 كم، وطبقة الثيرموسفير (thermosphere): من 80 إلى 640 كم.


تُميَّز الحدود بين هذه الطبقات الأربع بالتغيرات الفجائية في درجة الحرارة، وتلك الحدود هي تباعًا منطقة التوقف في التروبوسفير (tropopause)، ومناطق التوقف في كل من الستراتوسفير (stratopause) والميزوسفير (mesopause). في طبقتَيْ التروبوسفير والميزوسفير، تتناقص درجة الحرارة بزيادة الارتفاع بشكل عام، بينما في طبقتَي الستراتوسفير والثيرموسفير، ترتفع درجة الحرارة بزيادة الارتفاع.


علاوةً على درجة الحرارة، يمكن استخدام معايير أخرى لتحديد الطبقات المختلفة في ثنايا الغلاف الجوي. فعلى سبيل المثال، طبقة الأيونوسفير (ionosphere)، وهي التي تحتلّ المنطقة نفسها التي تحتلها طبقة الثيرموسفير من الغلاف الجوي، يحدّدها وجود الأيونات (ions)، وهو معيار فيزيائيّ كيميائيّ. المنقطة التي تعلو طبقة الأيونوسفير تعرف بطبقة الإكسوسفير (exosphere).


طبقة التروبوسفير
طبقة الغلاف الجوي السُفلى تدعى التروبوسفير. تتراوح سماكتها من 8 كم عند القطبين إلى 16 كم فوق خط الاستواء. تحدُّ طبقةَ التروبوسفير من أعلى طبقةُ الستراتوسفير، حدًّا مميّزًا بدرجات الحرارة الثابتة. الستراتوسفير تعلو التروبوسفير. رغم أنها لا تسلم من التباين، فإن درجة الحرارة تنخفض عادةً بزيادة الارتفاع في طبقة التروبوسفير. يعرف متنزّهو التلال أن الحرارة أقل بعدة درجات عند القمة عما هي في الوادي المترامي بالأسفل. التروبوسفير أكثف من طبقات الغلاف الجوي التي تعلوها (بسبب الوزن الضاغط عليها)، وهي تحتوي على ما يراوح 75 بالمئة من كتلة الغلاف الجوي. إنها تتألف أوّليًا من النيتروجين (بنسبة 78%) والأكسجين (بنسبة 21%)، بجانب تركيزاتٍ صغيرة وحسب من الغازات الضئيلة. تقريبًا كل ماء الغلاف الجوي، سواءٌ أرطبًا كان أم بخارًا، موجود في طبقة التروبوسفير. التروبوسفير هي الطبقة التي تقع فيها أغلب التقلّبات الجوية في العالم. بما أن درجة الحرارة تتناقص بزيادة الارتفاع في طبقة التروبوسفير، فإن الهواء الدافئ القريب من سطح الأرض سرعان ما يتصاعد، بما أنه أقل كثافةً من الهواء البارد الذي يعلوه. بالواقع، تستطيع جزيئات الهواء أن تتصاعد حتى قمة طبقة التروبوسفير ثم تهبط مجددًا خلال بضعة أيام وحسب. هذه الحركة العمودية للهواء أو الحَمْل الحراري، تولّد سحبًا وفي نهاية المطاف تمطر بفعل الرطوبة المخزونة في الهواء، وتتسبب في الكثير من التقلبات الجوية التي نختبرها. منطقة التوقف في التروبوسفير هي رأسُ طبقة التروبوسفير، وهي منطقة حرارتها ثابتة. ثم تبدأ حرارة الهواء ترتفع في طبقة الستراتوسفير. وارتفاع الحرارة هكذا يمنع الكثير من حَمْل الهواء من تجاوز منطقة التوقف، ومن ثمّ فإن الكثير من الظواهر الجوية، فيما يشمل رُكام السحب الرعادة الشاهقة، تُحتجَز في طبقة التروبوسفير. أحيانًا لا تنخفض درجة الحرارة في طبقة التروبوسفير، بل ترتفع. يُعرف مثل هذا الموقف بالانقلاب الحراري (temperature inversion). تمنع أو تحدُّ الانقلابات الحرارية من الاختلاط العموديّ للهواء. ومثل هذا الثبات الجوي يمكن أن يؤدي إلى حوادث تلوث هواء، في ظلّ تعرّض ملوثات الهواء المنبعثة على مستوى سطح الأرض للاحتجاز تحت الانقلاب الحراري.

طبقة الستراتوسفير
الستراتوسفير هي الطبقة الرئيسة الثانية. وهي تعلو طبقة التروبوسفير، وتفصلها عنها منطقة التوقف الخاصة بالتروبوسفير. إنها تحتلّ منطقة الغلاف الجوي الواقعة تقريبًا على ارتفاع 12 إلى 20 كم، إلا أن حدّها السفليّ يميل ليكون بالأعلى أقرب إلى خط الاستواء، وبالأسفل أقرب إلى القطبين. الستراتوسفير تحدد طبقة ترتفع فيها درجة الحرارة بزيادة الارتفاع. عند قمة طبقة الستراتوسفير، ربما يصل الهواء قليل الكثافة إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المئويّ. هذا الارتفاع في الحرارة ناجمٌ عن امتصاص طبقة الأوزون للأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس.   وتخلق مواصفات الحرارة هذه ظروف جوية مستقرة جدًا، كما أن طبقة الستراتوسفير تفتقر إلى الاضطراب الجويّ السائد جدًا في طبقة التروبوسفير. ومن ثم، فإن طبقة الستراتوسفير تكاد تكون خالية تمامًا من السحب أو أي مظاهر التقلبات الجوية الأخرى. توفر طبقة الستراتوسفير بعض المزايا للسفر الجوي لمسافاتٍ طويلة لأنها تعلو الطقس العاصف، وتتمتع برياح أفقية شديدة وثابتة، ويفصل طبقة الستراتوسفير عن طبقةِ الميزوسفير حد يُعرف بمنطقة التوقف في الستراتوسفير.



مواقع صديقه
محرك